حياة هندسية تُقاس بالمؤسسات كما تُقاس بالاختراعات
توفي Gerard “Gus” Gaynor، المتطوع المخضرم في IEEE والمدير الهندسي السابق في 3M، عن عمر 104 سنوات. وتشير كلمة الرثاء في IEEE Spectrum إلى أن ارتباط Gaynor بالمنظمة سبق تأسيس IEEE نفسها، وهي تفصيلة تفسّر فورًا لماذا يحمل رحيله أهمية تتجاوز النعي المعتاد. فلم يكن مجرد مشارك في جمعية هندسية. بل كان جزءًا من الاستمرارية التي ربطت المؤسسات المهنية اليوم بالأجيال التي بنتها ووطدتها.
في ثقافة تقنية تميل إلى تفضيل الجديد فوق كل شيء، قد يكون من السهل التقليل من شأن هذا النوع من الإسهام الممتد طوال العمر. لكن الهندسة لا تتقدم بالاختراع وحده. فهي تعتمد على هيئات المعايير، والجمعيات المهنية، والمنشورات، وبنى الإرشاد، والحوكمة التطوعية. وتُمكّن هذه المؤسسات العمل التقني من التوسع إلى ما هو أبعد من الشركات الفردية أو المختبرات البحثية. ويبدو أن حياة Gaynor ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بهذه الطبقة من المهنة.
لماذا تهم القيادة التطوعية في الهندسة
يصف التقرير المتاح Gaynor بأنه متطوع مخلص في IEEE، ويعرّفه أيضًا بأنه زميل فخري مدى الحياة في IEEE. ويحمل هذا الجمع بين الصفتين أهمية خاصة لأن الجمعيات المهنية تقوم بالكثير من العمل الهادئ الذي يجعل المجتمعات التقنية متماسكة. فهي تنظم تبادل المعرفة، وتحافظ على الأعراف المهنية، وتدعم التطور المهني، وتخلق مساحات يمكن للممارسين من الصناعة والأوساط الأكاديمية أن يعملوا فيها ضمن إطار مشترك.
وغالبًا ما يكون المتطوعون العمود الفقري لهذا العمل. فهم يراجعون، ويجمعون الناس، ويرشدون، ويحررون، وينظمون، ويحكمون. وفي المجالات سريعة الحركة، قد لا تحظى هذه الأدوار بالاهتمام نفسه الذي تحظى به عمليات إطلاق المنتجات أو الاختراقات العلمية، لكنها هي التي تحفظ قابلية فهم التخصصات عبر الزمن. ومن دونها، تصبح الثقافة الهندسية أضيق، وأكثر انعزالًا، وأكثر خضوعًا لمصالح الشركات التي تهيمن على لحظة معينة.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل رحيل Gaynor ذا صلة أوسع. فحياته تُجسد الجانب الأقل بريقًا لكنه بالغ الأهمية من الابتكار: رعاية المؤسسات التي تعمر أكثر من أي دورة تقنية واحدة. وعندما تظل IEEE أو الهيئات المرتبطة بها مفيدة عبر عقود، فهذه الاستمرارية ليست أمرًا تلقائيًا. بل يحافظ عليها أشخاص يعتبرون الخدمة المهنية جزءًا من الهندسة نفسها.
جسر عبر العصور
يذكر التقرير أن Gaynor توفي في 9 مارس، ويشير إلى أن انخراطه سبق المنظمة بصيغتها المعروفة حاليًا. وهذا يضعه عبر امتداد استثنائي من التاريخ التقني. فعلى مدى حياة بلغت 104 سنوات، انتقلت الهندسة عبر إلكترونيات زمن الحرب، والتوسع الصناعي بعد الحرب، وصعود الحوسبة الحديثة، وثورات الاتصالات، والشبكات الرقمية، ثم عصر الذكاء الاصطناعي اليوم.
لا يمكن لأي فرد واحد أن يعرّف كل ذلك التاريخ، لكن بعض الأشخاص يعملون جسورًا حية عبره. ويبدو أن Gaynor كان واحدًا منهم. وتؤكد الصورة المذكورة في الرثاء، التي تُظهره مع نظام راديو وهو طالب في المرحلة الثانوية، هذه النقطة. فهي تستحضر زمنًا كانت فيه الطموحات الهندسية تبدأ غالبًا بالتجريب العملي وثقافة الأندية، ثم تتسع إلى القيادة الصناعية والخدمة المهنية.
وتكتسب هذه المسيرة أهمية لأنها تتناقض مع السرديات المعاصرة التي تختزل الابتكار في جداول الشركات الناشئة ودورات المنتجات. فقد بُنيت المهنة الهندسية أيضًا عبر تقاليد أبطأ وأكثر تراكمًا: التلمذة، والعمل في اللجان، وصياغة المعايير، والتعليم، والقيادة التطوعية. وتنتمي قصة Gaynor إلى هذا التقليد الأقدم، لكنه ما زال ضروريًا.
التحدي المؤسسي الآن
كما يسلط رحيله الضوء على مشكلة قائمة أمام المنظمات الهندسية. فمع تسارع الانتقال بين الأجيال، تتعرض كثير من المؤسسات لضغوط لإثبات أهميتها للمهنيين الأصغر سنًا، الذين تبدو مساراتهم المهنية مختلفة كثيرًا عن مسارات الأجيال السابقة. فالعمل أصبح أكثر سيولة، والهوية المهنية كثيرًا ما ترتبط بالشركات أو الشبكات الرقمية بدلًا من الجمعيات، كما أن الوقت التطوعي أصبح أصعب في التوفير.
وهذا يجعل أشخاصًا مثل Gaynor أصعب في الاستبدال مما قد يوحي به لقب “متطوع”. فذاكرة المؤسسات طويلة الأمد نادرة. وكذلك النوع من الالتزام الذي يعامل الجمعية المهنية بوصفها مشروعًا مدنيًا دائمًا، لا منفعة عضوية تبادلية. وإذا أرادت المنظمات الهندسية أن تظل مؤثرة، فلن تحتاج فقط إلى أعضاء جدد، بل إلى أشكال جديدة من الرعاية قادرة على الحفاظ على الجدية نفسها للهدف تحت ظروف اجتماعية مختلفة.
وتعمل هذه التحية أيضًا كتذكير بأن صحة المؤسسات تعتمد على الاعتراف بهذا العمل بينما لا يزال الناس يؤدونه. فغالبًا ما يُنظر إلى القيادة التطوعية بوصفها صيانة خلفية. لكن الواقع أنها قد تشكل من يدخل المجال، وكيف تنتشر المعرفة، وأي القيم يختارها التخصص للدفاع عنها.
إرث يستحق القراءة على نحو صحيح
قد يكون من السهل قراءة وفاة زميل فخري مدى الحياة في IEEE عمره 104 سنوات على أنها مجرد نهاية حياة شخصية استثنائية. وهذه قراءة صحيحة، لكنها غير مكتملة. فالقصة الأكبر تتعلق بالبنية التحتية لثقافة الهندسة. ويمثل طول خدمة Gaynor نموذجًا للمواطنة المهنية يسهل الثناء عليه نظريًا ويصعب تكراره عمليًا.
ولا يعتمد هذا النموذج على الحنين إلى الماضي. بل يعتمد على الاعتراف بأن الهندسة نظام اجتماعي بقدر ما هي نظام تقني. فالأجهزة والعمليات والخوارزميات تتقدم لأن هناك مجتمعات موجودة لتقييمها، وتعليمها، وتوحيدها، ومناقشة عواقبها. والمتطوعون لا غنى عنهم في هذا النظام البيئي.
لذلك فإن رحيل Gaynor لا يقتصر على كونه ملاحظة تذكارية. بل هو أيضًا دعوة إلى التساؤل عن نوع الثقافة المهنية التي يرثها المهندسون الناشئون، ونوع الثقافة التي يُطلب منهم المساعدة في بنائها. وإذا كان على مؤسسات مثل IEEE أن تظل ذات معنى في القرن المقبل من التكنولوجيا، فستحتاج إلى خلفاء يفهمون أن الخدمة ليست عملًا هامشيًا، بل جزءًا من الحرفة.
قد يكون هذا هو الدرس الأقوى في هذه الرثاء. فالمسيرة المهنية قد تكتسب أهميتها بفضل براءات الاختراع أو المنتجات أو المناصب التنفيذية. لكنها قد تكتسبها أيضًا بفضل الهياكل التي يساعد المرء على إبقائها حيّة. ويبدو أن Gus Gaynor انتمى إلى الفئة الثانية بقدر انتمائه إلى الأولى، ولهذا تحديدًا سيُشعر بغيابه خارج دائرة من عرفوه شخصيًا.
هذه المقالة مبنية على تقرير من IEEE Spectrum. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on spectrum.ieee.org


