من الاستجابة للطوارئ إلى إدارة الحياة البرية

غالبًا ما تنضج التكنولوجيا لا عندما تصبح أكثر مستقبلية، بل عندما تصبح عادية بما يكفي لحل مشكلة حقيقية في الميدان. وهذا هو الدرس في قصة ويسلي سارمينتو، عالم الأحياء البرية في مونتانا الذي استخدم الطائرات المسيّرة لإدارة المواجهات الخطرة بين البشر والدببة الرمادية. وما يجعل هذه الحالة لافتة ليس طائرة متطورة أو منصة بحثية افتراضية، بل استخدام طائرة مسيّرة بسيطة نسبيًا مزودة بتصوير حراري لإنجاز مهمة كانت تفرض سابقًا اقترابًا مباشرًا ومحفوفًا بالمخاطر من الحيوانات المفترسة الكبيرة.

قضى سارمينتو، الموصوف في المصدر بأنه أول مدير للدببة الرمادية المعتمد على البراري في مونتانا، سنوات وهو يحاول إبقاء كل من الدببة الرمادية المهددة والمجتمعات البشرية المتوسعة بعيدًا عن المتاعب. وكان لهذا الدور منطق الاستجابة الأولى: الوصول بسرعة، وتقييم الموقف، ومحاولة نزع فتيل الخطر قبل أن يتصاعد. والاختلاف أن “مسرح الحادث” قد يكون صومعة حبوب في مزرعة، أو تضاريس كثيفة الشجيرات، أو ملكية ريفية وجد فيها دب طعامًا وبقي قريبًا جدًا من الناس.

مشكلة ميدانية كانت تحتاج إلى طريقة أكثر أمانًا

قبل اعتماد الطائرات المسيّرة، كانت أدوات سارمينتو أكثر مباشرة بكثير. ويذكر المصدر أنه كان يصل عادةً وهو يحمل بندقية، وذخائر صاخبة، ورذاذًا لطرد الدببة لدفعها بعيدًا عن المزارع، حيث يمكن للحبوب المنسكبة والصوامع المفتوحة أن تجذبها. هذا النوع من العمل ينطوي بطبيعته على المخاطر. فهو يتطلب الاقتراب من مفترس قمي غير قابل للتنبؤ في ظروف صعبة، وغالبًا تحت ضغط الوقت ومع رؤية غير مكتملة.

ويبدو أن حادثة كادت أن تؤدي إلى تمزيقه غيّرت نهجه. وبعد أن نجا بأعجوبة من هجوم، خلص سارمينتو إلى أن النموذج القائم لم يعد قابلًا للاستمرار. وهذه نقطة التحول مهمة لأنها تُظهر كيف يحدث الابتكار الميداني غالبًا: ليس لأن تقنية ما اختُرعت للتو، بل لأن تكلفة الأسلوب القديم تصبح واضحة لدرجة لا يمكن تجاهلها.

أما أول محاولة له لإيجاد بديل أكثر أمانًا فكانت باستخدام كلاب إيريديل، وهو سلالة معروفة بقدرتها على ردع الدببة في المزارع. لكن المصدر يقول إن تلك الكلاب كانت تتشتت بسهولة. أما الطائرات المسيّرة فوفرت، بالمقابل، الرؤية والمسافة معًا.

ما الذي غيّرته الطائرة المسيّرة

أول استخدام ميداني موصوف في المصدر حدث في عام 2022، عندما عُثر على أنثى دب رمادي مع صغيريها حول صومعة خارج البلدة. استخدم سارمينتو طائرة مسيّرة مزودة بمستشعرات تحت الحمراء لتحديد موقعها، ثم أبعدها باستخدام صوت الطائرة. ويشتبه الباحثون، بحسب المصدر، في أن الدببة قد تنفر غريزيًا من أزيز شفرات الطائرة المسيّرة لأنه يشبه صوت سرب من النحل.

سواء أثبت هذا التفسير المحدد شموليته أم لا، فهو أقل أهمية من النتيجة التشغيلية. فقد مكّنته الطائرة المسيّرة من العثور على الحيوانات بسرعة، والعمل من أمان شاحنته، والتأثير في حركتها من دون الحاجة إلى الاقتراب سيرًا على الأقدام. وفي إدارة الصراع، هذه مكاسب ذات معنى. فالرؤية الأفضل تقلل الغموض. والمسافة الأكبر تقلل خطر الإصابة. والتدخل الأكثر تحكمًا يمكن أن يقلل احتمالات انتهاء الموقف بضرر للإنسان أو الحيوان.

والأهم من ذلك أن العتاد المستخدم لم يكن بالغ التعقيد. يصف المصدر طائرة مسيّرة تبلغ كلفتها نحو 4,000 دولار، وتحمل كاميرا حرارية، ولديها عمر بطارية يقارب 30 دقيقة. وهذا مهم لأنه يشير إلى أن مثل هذه القدرة قد تكون في متناول وكالات الحياة البرية، وفرق الاستجابة الريفية، وبرامج البحث التي تعمل ضمن قيود ميزانية حقيقية.

لماذا تُعد هذه قصة ابتكار

قد يكون من السهل قراءة هذه القصة باعتبارها مجرد حكاية عن عالم أحياء ميداني ذكي. لكن من الأجدى النظر إليها بوصفها علامة على كيفية دخول الطائرات المسيّرة إلى طبقة جديدة من البنية التحتية ذات المصلحة العامة. ففي كثير من القطاعات، بدأت الطائرات المسيّرة كأدوات متخصصة للتصوير أو المسح أو التجريب. وهي تتحول تدريجيًا إلى أدوات استجابة: آلات تُستخدم لتقليل التعرض للخطر، وجمع معلومات فورية عن الموقف، والتدخل بطرق كانت ستصبح وإلا خطرة أو غير فعالة.

وتُعد الاستجابة لصراعات الحياة البرية حالة استخدام قوية بشكل خاص لأنها تجمع عدة ظروف تتعامل معها الطائرات المسيّرة جيدًا. فالبيئة غالبًا ما تكون صعبة المسح من الأرض. ويمكن أن يتحرك الهدف بسرعة أو يبقى مختبئًا. ويستفيد المستجيبون البشريون من المسافة. كما يمكن أن تتحسن جودة الاستجابة بفضل الاستشعار الحراري والمنظور الجوي.

ولهذا قد تشير تجربة سارمينتو إلى نموذج تشغيلي أوسع، لا مجرد حل شخصي مؤقت. فبمجرد أن تثبت الطائرة المسيّرة فائدتها في تحديد مواقع الدببة الرمادية وتوجيهها بعيدًا، يصبح من الأسهل تخيل سير عمل مشابه للدببة السوداء، أو القطط الكبيرة، أو مراقبة الأنواع الغازية، أو البحث عن الحياة البرية بعد الحوادث في تضاريس صعبة.

ما الذي يأتي بعد ذلك

انتقل سارمينتو منذ ذلك الحين إلى العمل الدكتورالي في علم بيئة الحياة البرية في جامعة مونتانا، حيث يطمح، بحسب المصدر، إلى تصميم طائرة مسيّرة يمكن لشرطة الحرم الجامعي استخدامها لردع الدببة السوداء عن أراضي الجامعة. وتُظهر هذه الطموحات مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها تقنية ميدانية عملية إلى تصميم نظامي. فالمرحلة التالية ليست مجرد استخدام الطائرات المسيّرة عندما يتوفر فرد ماهر يملك واحدة. بل هي بناء إجراءات وتدريب وحزم معدات يمكن للمؤسسات تبنيها بشكل موثوق.

ويطرح هذا التحول أسئلة جديدة. فسيتعين على الوكالات أن تقرر مستوى الاستقلالية المقبول، ومن يمكنه تشغيل الأنظمة، وكيف يُقاس إجهاد الحياة البرية، وما الضمانات المطلوبة حول الأماكن العامة. لكن هذه كلها علامات على النضج، لا أسباب لرفض النهج. فعندما تنتقل التكنولوجيا من كونها مجرد حداثة إلى كونها بروتوكولًا، تظهر بطبيعة الحال أسئلة الحوكمة.

خطوة تقنية متواضعة لكنها مهمة

أكثر ما يلفت في هذه القصة هو اتزانها. فلا يوجد هنا ادعاء بأن الطائرات المسيّرة ستحل صراع البشر والحياة البرية بشكل عام. فهي لن تفعل ذلك. فضغط الموائل، وإتاحة الغذاء، وتغير استخدام الأراضي، وتعافي الأنواع كلها تشكل هذه الصراعات بطرق لا تستطيع الطائرات وحدها إصلاحها. لكن الأدوات الأفضل يمكنها أن تغيّر جودة الاستجابة عند الهامش، وفي العمل الميداني الخطِر، الهامش مهم.

ويُظهر استخدام سارمينتو للطائرات المسيّرة شكل الابتكار المفيد في كثير من الأحيان: آلة ميسورة نسبيًا، ومشكلة تشغيلية واضحة، وتحسن قابل للقياس في السلامة والسيطرة. وبهذا المعنى، تقوم هذه التكنولوجيا بما يُفترض بالأدوات الناشئة أن تفعله. فهي لا تستبدل الحكم البيئي أو الخبرة الميدانية، بل توسّعهما من مسافة أكثر أمانًا.

ومع تغير نطاقات الحياة البرية وتزايد المواجهات بين البشر والحيوانات الكبيرة، قد يتبين أن هذا من أكثر الاستخدامات ديمومة للأنظمة الجوية الصغيرة. ليس لأنه مذهل، بل لأنه ينجح حيث يهم الأمر: في اللحظة التي يحتاج فيها المستجيب إلى معلومات أفضل، ووصول أكبر، وفرص أقل للإصابة.

تعتمد هذه المقالة على تقرير من MIT Technology Review. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on technologyreview.com