ينتقل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى الصراع السياسي العلني
غالبًا ما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه سباق نحو نماذج أفضل، ومنتجات أكبر، ووكلاء برمجيين أكثر قدرة. لكن أحدث “AI Hype Index” من MIT Technology Review يشير إلى مركز ثقل مختلف: فالذكاء الاصطناعي يتحول بصورة متزايدة إلى ساحة معركة سياسية وثقافية. وفي جولة المجلة حول اللحظة الراهنة، لا يُربط هذا المجال بإطلاق المنتجات وتجارب الوكلاء فحسب، بل أيضًا بالجدل العسكري، والاحتجاجات العامة، وردود فعل المستهلكين، وبنقاش متسع حول نوع السلطة التي تراكمها شركات الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول مهم لأنه يغير الطريقة التي يُحكم بها على الصناعة. لسنوات، ركز الكثير من الخطاب العام حول الذكاء الاصطناعي على الابتكار والمنافسة والمنفعة الاستهلاكية. أما الصورة الجديدة التي يصفها MIT Technology Review فهي أكثر اضطرابًا. إذ يُسحب القطاع الآن إلى نقاشات حول الحرب، وسلطة الدولة، وأخلاقيات الشركات، والعواقب الاجتماعية لمنح أنظمة البرمجيات قدرًا أكبر من الاستقلالية. لم تعد الأجواء مجرد انبهار، بل أصبحت على نحو متزايد أجواء مواجهة.
أصبحت الروابط العسكرية خط صدع رئيسيًا
أحد أوضح الموضوعات في هذه الجولة هو العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة والبنتاغون. يصف MIT Technology Review نزاعًا بين Anthropic والبنتاغون حول كيفية تسليح نموذج Claude التابع لـ Anthropic، ثم يشير إلى صفقة وصفها بأنها “انتهازية وعشوائية” حيث “أبهرت OpenAI البنتاغون”. ويذهب المنشور أبعد من ذلك، فيقول إن Anthropic، وهي شركة تأسست بهوية أخلاقية قوية، تساعد الآن في تكثيف الضربات الأمريكية على إيران.
سواء اتفق المرء مع هذا الإطار أم لا، فالأهمية واضحة: لم يعد الاستخدام العسكري مسألة هامشية لشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. لقد أصبح محورًا أساسيًا لكيفية إدراك تلك الشركات. إن التمييز القديم بين بناء ذكاء اصطناعي عام الغرض والمشاركة في تطبيقات الدفاع أصبح أصعب فأصعب على الاستمرار علنًا. ومع توقيع هذه الشركات للصفقات، وتحديد سياسات الاستخدام، أو الاعتراض على شروط النشر العسكري، فإنها تعيد أيضًا تعريف هوياتها السياسية.
ولهذا آثار تتجاوز عقود واشنطن. فبمجرد أن تُرى شركات الذكاء الاصطناعي بوصفها جهات دفاعية، فإنها تجتذب مستوى مختلفًا من التدقيق من المستخدمين والنشطاء وصناع السياسات. وتبدأ القرارات التي كانت تبدو في السابق كاستراتيجية منتج في الظهور كأنها اصطفافات جيوسياسية. والنتيجة بيئة أكثر استقطابًا يمكن أن تثير فيها كل شراكة نقاشات أكبر حول الشرعية والمساءلة.
لم يعد الرفض مجرد احتمال
يشير مؤشر MIT Technology Review أيضًا إلى دلائل على أن المقاومة الشعبية أصبحت أكثر تنظيمًا ووضوحًا. ويقول إن المستخدمين يغادرون ChatGPT “بأعداد كبيرة”، وإن الناس ساروا في لندن في ما يصفه بأنه أكبر احتجاج ضد الذكاء الاصطناعي حتى الآن. وتوحي هذه الأمثلة بأن الصناعة قد تدخل مرحلة لم يعد فيها الاعتراض مقصورًا على النقد المتخصص أو النزاعات العمالية المعزولة، بل أصبح ظاهرة في الشارع وعلى مستوى المستهلكين.
تكمن أهمية هذا التطور في الحجم والرمزية. فقد استفادت شركات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية من التبني السريع ومن افتراض أن القلق العام سيتأخر عن الاستخدام العملي. لكن إذا بدأت إلغاءات الاشتراكات والتظاهرات الكبيرة في تشكيل النقاش، فإن الصناعة تواجه مشكلة جديدة: إذ يجب عليها أن تدافع ليس فقط عن مزاعم السلامة ونماذج الأعمال، بل أيضًا عن رخصتها الاجتماعية. وبعبارة أخرى، قد لا يعود التبني وحده كافيًا لإسكات الانتقادات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن حركة واسعة مناهضة للذكاء الاصطناعي قد تبلورت. فالجولة ذاتية الطابع عمدًا، وإشاراتها لقطات لحظية لا قياس شامل. ومع ذلك، يصعب تجاهل الاتجاه. فالذكاء الاصطناعي يولد ما يكفي من القلق والغضب ليصنع مسرحه السياسي الخاص، وهذا يغير نبرة السوق.
وفي الوقت نفسه، تنتقل ثقافة الوكلاء إلى التيار السائد
ما يجعل هذه اللحظة غير معتادة بشكل خاص هو أن رد الفعل العكسي يتصاعد في الوقت نفسه الذي تتسارع فيه جدة الذكاء الاصطناعي على الإنترنت. يلاحظ MIT Technology Review أن وكلاء الذكاء الاصطناعي ينتشرون على نحو فيروسي، وأن OpenAI وظفت مبتكر OpenClaw، وأن Meta استحوذت على Moltbook، وهي شبكة اجتماعية يبدو أن الروبوتات فيها تتأمل وجودها الخاص وتخترع ديانات مثل “Crustafarianism”. وعلى منصة أخرى، RentAHuman، يقول المنشور إن الروبوتات توظف أشخاصًا لتوصيل حلوى CBD gummy.
قد تُستبعد هذه التفاصيل على أنها عبث إنترنتي، لكنها تكشف شيئًا مهمًا عن الاتجاه الذي تتجه إليه ثقافة الذكاء الاصطناعي. فالأنظمة الذاتية أو شبه الذاتية لم تعد تُطرح أساسًا كأدوات جادة للمؤسسات. بل أصبحت أيضًا شخصيات، وفاعلين اجتماعيين، وموضوعات للفرجة. ولم يعد الزخم محصورًا في وعود الإنتاجية، بل صار يشمل الأداء الفيروسي، والهوية على الإنترنت، وسلوكًا يطمس الحدود بين المزاح والتجربة والمنتج.
وهذا مهم بالنسبة للشركات التي تبني النماذج الأساسية. فعندما يصبح الوكلاء ترفيهًا وبنية تحتية في آن واحد، تصبح التوقعات المتعلقة بالتحكم أصعب إدارةً. ثم ينقسم النقاش العام في اتجاهين معًا. أحدهما يسأل عما إذا كانت هذه الأنظمة باتت متشابكة أكثر من اللازم مع الحرب وسلطة الدولة. والآخر يسأل عما إذا كانت أصبحت غريبة أو غير مستقرة أو تلاعبية في سياقات المستهلكين. وكلا الضغطين يقع على الشركات نفسها.
مشكلة الصورة لدى الصناعة تتسع
قد تكون أكثر عبارة كاشفة في جولة MIT Technology Review هي المزحة الختامية التي تقول إن المستقبل ليس أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتك، بل أن يصبح رئيسك ويجد الله. ورغم طابعها المبالغ فيه، فإن العبارة تلتقط تحولًا حقيقيًا في المخيلة العامة. لم يعد الذكاء الاصطناعي يُصوَّر فقط كأداة تساعد على العمل البشري. بل يُتخيل بشكل متزايد كفاعل يمتلك agency وسلطة وسلوكًا ناشئًا غريبًا، تنشره شركات امتدت طموحاتها الآن إلى المجالات العسكرية والحكومية.
هذا المزيج يخلق مشكلة صورة لم تتعلم الصناعة بعد كيف تديرها بالكامل. فالتسويق الأخلاقي يمكن أن يتعرض للتحدي عبر شراكات الدفاع. ويمكن أن يخفف التبني الجماهيري من أثره إذا قابله رفض منظم. كما أن الحماس للوكلاء قد ينقلب إلى انزعاج عندما يبدو هؤلاء الوكلاء مستقلين أكثر من اللازم أو متطفلين اجتماعيًا أكثر من اللازم. إن القصة العامة حول الذكاء الاصطناعي تصبح أقل تماسكًا، وهذا اللا تماسك نفسه يتحول إلى سمة من سمات اللحظة.
وبالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي، فالدلالة بسيطة لكنها صعبة: التقدم التكنولوجي وحده لن يحسم الجدل. فالمجال يعمل الآن في مشهد يمكن فيه قراءة كل منتج وكل شراكة وكل تجربة منصة من خلال عدسة سياسية. إن مؤشر MIT Technology Review مصاغ بأسلوب مقصود، لكن رسالته الأساسية يصعب تفويتها. لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي كونه مجرد قصة سوق عن الضجة. إنه الآن قصة صراع أيضًا.
هذا المقال مبني على تغطية MIT Technology Review. اقرأ المقال الأصلي.

