يُعد الألم من الأسباب الرئيسية للإعاقة في جميع أنحاء العالم، لكن الباحثين حتى الآن لم يتوفر لديهم وسيلة متسقة لمقارنة معدلات الإبلاغ عنه عبر الأعمار المختلفة والجنسين والمناطق. ويخطو تحليل عالمي جديد نُشر في مجلة Nature Medicine خطوة كبيرة نحو سد هذه الفجوة، مستندًا إلى بيانات الألم المُبلَّغ عنه ذاتيًا من أكثر من 6 ملايين شخص يعيشون في 118 دولة وإقليمًا.

ويقدم هذا العمل، بقيادة مات فيلينجيم وإتيان فاشون-بريسو مع زملائهما، ما قد يكون أوسع صورة حتى الآن لمن يبلغ عن الألم، وفي أي أجزاء من الجسم، وفي أي مرحلة من الحياة. وتبرز نتيجتان: أفادت النساء عن الألم أكثر من الرجال في كل منطقة من مناطق الجسم التي شملتها الدراسة، ولم يرتفع الألم باطراد مع التقدم في العمر كما يفترض كثيرون — بل حدثت أشد الزيادات قبل سن 55.

لمحة عالمية مبنية على ملايين التقارير

حلل فريق البحث بيانات الألم المُبلَّغ عنه ذاتيًا التي جُمعت بين عامي 1990 و2025 من 6,125,459 فردًا، تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات وأكثر من 100 عام. وبدلاً من الاعتماد على الحالات المشخَّصة المسجلة في البيئات السريرية، ركز التحليل على ما قاله الناس عن ألمهم الخاص. ويشير المؤلفون إلى أن هذا التمييز مهم، لأن التقديرات المبنية على التشخيصات فقط قد تفوتها حالات الألم لدى الأشخاص ذوي الوصول المحدود إلى الرعاية الصحية — وهي بالتحديد الفئات التي قد يكون فيها العبء أشد.

وتفاوت معدل انتشار الألم بشكل هائل حسب منطقة الجسم المعنية، ليتراوح من نحو 2% لألم الوجه إلى حوالي 40% لألم الظهر. وغطى التحليل 11 منطقة مختلفة من الجسم، مما أتاح للباحثين مقارنة الأنماط عبر المناطق والفئات العمرية بدلاً من التعامل مع الألم كفئة واحدة غير متمايزة.

النساء يبلغن عن الألم أكثر في كل منطقة من الجسم

في جميع مناطق الجسم الـ11 التي جرى فحصها، كان الألم أكثر تكرارًا في الإبلاغ عنه من النساء مقارنة بالرجال. غير أن الفجوة بين الجنسين لم تكن موحدة. وظهرت أكبر الفروق في ألم الوجه والصداع وألم المعدة أو البطن — وهي ثلاث فئات لوحظت منذ فترة طويلة في البيئات السريرية لكن لم تُوثَّق بهذا الحجم عبر هذا العدد الكبير من الدول في وقت واحد.

واتساق هذا النمط ملحوظ. ولأن الفرق استمر في كل منطقة من الجسم بدلاً من أن يتركز في مناطق قليلة، فإن ذلك يشير إلى أن التفاوت لا يقتصر على حالات معينة أو أنظمة صحية محددة، بل يعكس شيئًا أوسع في كيفية تجربة الألم أو الإبلاغ عنه.

أشد زيادة تحدث قبل سن 55

ربما تكون النتيجة الأكثر مفاجأة هي المتعلقة بالعمر. يتوقع كثيرون أن يتراكم الألم تدريجيًا ثم يتسارع في مراحل لاحقة من الحياة، لكن البيانات تحكي قصة مختلفة. ففي جميع مناطق الجسم مجتمعة، ارتفع معدل انتشار الألم بأشد وتيرة قبل سن 55، ثم استوى إلى حد ما بعد ذلك.

كما اختلفت الأنماط الأساسية حسب منطقة الجسم. فقد بلغ الصداع وألم البطن ذروتهما في وقت مبكر من الحياة قبل أن ينخفضا، بينما استمر ألم الظهر والورك والركبة في الارتفاع مع تقدم العمر. ويشير ذلك إلى أن "الألم" كمقياس واحد يخفي مسارات حياتية مختلفة جدًا حسب موقعه في الجسم — وهو فارق دقيق يرى المؤلفون أنه ينبغي أن يشكل تصميم برامج الوقاية والمراقبة.

مكان إقامتك يغير الصورة

كشف التحليل أيضًا عن صلة لافتة بين الألم ومستويات التنمية الوطنية. فبدءًا من سن 40 تقريبًا، زاد الألم في أي مكان بالجسم وألم المفاصل وألم الظهر بشكل أسرع في البلدان ذات قيم مؤشر التنمية البشرية (HDI) المنخفضة.

وأصبح التباين أكثر وضوحًا بشكل خاص في الأعمار المتقدمة. فبين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا أو أكثر، كان معدل انتشار أي ألم جسدي أعلى بنحو 31 نقطة مئوية في البلدان ذات مؤشر التنمية البشرية المنخفض مقارنة بالبلدان ذات المؤشر المرتفع. وكان ألم أسفل الظهر أكثر شيوعًا بنحو الضعف في تلك البيئات الأقل نموًا.

Women report higher rates of pain than men
Representative output of the Global Lifespan Pain Benchmarking Tool applied to a hypothetical external cohort. Credit: Nature Medicine (2026). DOI: 10.1038/s41591-026-04696-w

عوامل الخطر تفسر أقل مما هو متوقع

تتعلق إحدى النتائج الأكثر إثارة للحيرة بعوامل الخطر المعروفة. فالتدخين والسمنة وانخفاض الدخل يُفهم على نطاق واسع أنها تسهم في عبء الألم، وهي تفعل ذلك بالفعل — لكن التحليل وجد أنها تفسر حصة أصغر من الألم المُبلَّغ عنه في البيئات الأقل نموًا مما كان متوقعًا. وبعبارة أخرى، لا تفسر مجموعة الأدوات التفسيرية القياسية بالكامل سبب كون الألم أكثر انتشارًا بكثير في تلك البلدان.

ويصرح المؤلفون بصراحة أن الأسباب لا تزال غير واضحة. وتشير الفجوة إلى عوامل تتجاوز السلوكيات الفردية والاقتصاد — ربما اختلافات في العمل البدني والظروف البيئية والوصول إلى الرعاية الصحية والتعرض للإصابات أو طرق إدراك الألم والإبلاغ عنه عبر الثقافات — لكن الدراسة لا تحسم أي من هذه العوامل هو المؤثر.

أداة مرجعية للبحوث المستقبلية

إلى جانب نتائجها الوصفية، تقدم الدراسة موردًا تحليليًا: أداة القياس المرجعي للألم عبر مدى الحياة العالمية (Global Lifespan Pain Benchmarking Tool). وقد أظهر الباحثون استخدامها من خلال تطبيقها على مجموعة خارجية افتراضية، منتجين مخرجات تمثيلية توضح كيف يمكن نشر النموذج لمقارنة أنماط الألم في فئات سكانية جديدة.

وتكمن قيمة هذه الأداة في التوحيد القياسي. فبدون إطار مرجعي مشترك، يصعب مقارنة الدراسات التي أجريت في بلدان أو فترات زمنية مختلفة بشكل مباشر. ويمكن لمعيار مشترك أن يتيح للباحثين ووكالات الصحة العامة وضع بياناتهم المحلية في سياق الأنماط العالمية وتحديد أين يتباين انتشار الألم عما قد يكون متوقعًا.

كيف قد تبدو الوقاية

تحمل النتائج آثارًا عملية لكيفية معالجة الألم على مستوى السكان. ولأن أشد الزيادات تحدث قبل سن 55، يقترح المؤلفون أن جهود الوقاية قد تحتاج إلى البدء في وقت أبكر من الحياة مما تفترضه الاستراتيجيات الحالية عادةً — أي قبل وقت طويل من ترسخ الأمراض المزمنة المرتبطة عادةً بألم مراحل الحياة المتأخرة.

كما يشددون على أن الوقاية ينبغي أن تُصمم حسب المناطق المختلفة. فالنهج العالمي الموحد سيتجاهل حقيقة أن مسارات الألم تتباين بشكل ملحوظ حسب مؤشر التنمية البشرية والجغرافيا. وتواجه المناطق ذات مؤشرات التنمية المنخفضة عبئًا أثقل وأسرع ارتفاعًا، مما يدعو إلى تخصيص الموارد وتصميم التدخلات بما يعكس الحقائق المحلية بدلاً من نموذج واحد يناسب الجميع.

تحفظات وأسئلة مفتوحة

يحرص المؤلفون على الإشارة إلى قيد مهم. فقد جُمعت معظم البيانات في نقطة زمنية واحدة، مما يعني أن التحليل يظهر اختلافات بين الفئات العمرية بدلاً من تتبع كيفية تغير الألم داخل الأفراد أنفسهم مع تقدمهم في العمر. ويمكن للأنماط المقطعية أن تلمح إلى اتجاهات مسار الحياة، لكنها لا تستطيع تأكيدها.

ويترك ذلك عدة أسئلة مفتوحة. هل يعاني الناس في البلدان ذات مؤشر التنمية البشرية المنخفض من ألم أكثر فعلاً، أم أن اختلافات الإبلاغ تتشكل بفعل التوقعات الثقافية والوصول إلى الرعاية الصحية؟ لماذا تستمر الفجوة بين الجنسين بهذا الاتساق عبر مناطق الجسم؟ وما التدخلات التي ستكون الأكثر فعالية في تسطيح ارتفاع انتشار الألم قبل سن 55؟

ما تؤكده الدراسة هو أساس: مجموعة بيانات كبيرة متعددة البلدان ومتعددة العقود، وإطار قياس مرجعي لفهمها. وبالنسبة لعرَض يُعد من الأسباب الرئيسية للإعاقة في العالم، فإن هذا النوع من البنية التحتية للقياس المشترك هو شرط مسبق لأي شيء يشبه العمل العالمي المنسق.

This article is based on reporting by Medical Xpress. Read the original article.

Originally published on medicalxpress.com