غالبًا ما يُوصف المهاد بأنه محطة ترحيل الحواس في الدماغ، وهي مركز يجمع الإشارات من العالم الخارجي ويسلمها إلى القشرة المخية لمعالجتها. وتشير دراسة جديدة إلى أن هذه البنية، خلال مراحل التطور المبكرة، تفعل أكثر بكثير من مجرد تمرير الرسائل: إذ يبدو أن نشاطها الخاص يساعد في بناء الدوائر التي ستنقل لاحقًا المعلومات البصرية.
أفاد فريق بقيادة غييرمينا لوبيز-بنديتو في معهد علوم الأعصاب (IN)، وهو مركز مشترك بين المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني (CSIC) وجامعة ميغيل هيرنانديز في إلتشي (UMH)، بأن المهاد يلعب دورًا أساسيًا في تنظيم الدوائر البصرية أثناء تطور الدماغ. وتشير النتائج، المنشورة في The Journal of Neuroscience والمستندة إلى عمل على نماذج الفئران، إلى أن تعطيل نشاط المهاد يعيد تشكيل مجموعات رئيسية من الخلايا في كل من المهاد والقشرة البصرية.
محطة ترحيل تبني الطريق أيضًا
يقع المهاد في مركز التواصل بين الأعضاء الحسية والقشرة المخية. وعلى طول المسار البصري، يجمع المدخلات من الشبكية ويمررها إلى القشرة البصرية، المنطقة المسؤولة عن تفسير ما نراه. وقد كانت وظيفة الترحيل هذه راسخة جيدًا. وما يضيفه العمل الجديد هو دليل على أن المهاد مهندس أيضًا للنظام الذي يخدمه.
ووفقًا للوبيز-بنديتو، التي تقود مختبر التطور والمرونة وإعادة البرمجة للدوائر الحسية في IN CSIC-UMH، تشير النتائج إلى أن المهاد ليس مجرد قناة سلبية للإشارات البصرية. وتقول إنه يشارك بدلًا من ذلك بنشاط في بناء الدوائر العصبية، إذ يساعد نشاطه في تنظيم كيفية إدماج الخلايا البينية في تلك الدوائر وكيفية توزيعها — وهي عملية تصفها بأنها ضرورية للتطور السليم.
الخلايا البينية تحت الضوء
المجموعة الخلوية التي تقع في مركز الدراسة هي الخلايا البينية. تعمل هذه العصبونات كمنظمات، إذ تعدل نشاط الدوائر المحيطة بها وتساعد في الحفاظ على توازن الإشارات العصبية. ويُهم عددها وموقعها: فوجود عدد قليل جدًا أو كبير جدًا منها، أو وجودها في مواقع خاطئة، يمكن أن يغير سلوك الدائرة.
وعندما عدّل الباحثون النشاط العصبي في نماذج الفئران، لاحظوا تغيرات قابلة للقياس في هذه المجموعة. وتفيد الدراسة بما يلي:
- تغيرت أعداد الخلايا البينية في المهاد البصري عند تعديل نشاط المهاد.
- كما تغير توزيع تلك الخلايا البينية عبر المهاد البصري.
- تأثر أيضًا تنظيم الخلايا البينية في القشرة البصرية.
- لوحظت هذه التأثيرات بعد التلاعب بالنشاط في نقاط مختلفة على طول المسار البصري وفي مراحل مختلفة من التطور.
وتشير الملاحظات مجتمعة إلى حوار مستمر بين المهاد والقشرة خلال الفترة التي يجري فيها تجميع النظام البصري، بدلًا من تدفق أحادي الاتجاه للمعلومات.
بناء الرؤية قبل فتح العينين
من أكثر الجوانب اللافتة في تطور النظام البصري أنه يبدأ قبل وقت طويل من قدرة الحيوان على الرؤية فعليًا. فالأجنة والجراء الصغار لا يتلقون بعد صورًا من العالم من حولهم، لكن أدمغتهم مشغولة بالفعل بتنظيم البنية التي ستعالج تلك الصور في النهاية.
وخلال هذه المراحل المبكرة، تولّد العصبونات نشاطًا تلقائيًا — دفعات من الإشارات مدفوعة داخليًا تساعد في إرساء الدوائر العصبية وصقلها. وفي الفئران، تحدث العديد من هذه الأحداث التنظيمية قبل فتح العينين، مما يجعل هذا النوع نظامًا مفيدًا لدراسة كيفية تشكل الدوائر في غياب الخبرة البصرية.

تبني الدراسة الجديدة على هذا الأساس البيولوجي بسؤال ما يحدث عندما يُغيَّر هذا النشاط التلقائي تجريبيًا. وبدلًا من التعامل مع إطلاق المهاد كضجيج خلفي، اختبره الباحثون كمكوّن نشط في تشكل الدوائر.
كيف صُممت التجارب
لسبر الدور التطوري للمهاد، عمل الفريق مع عدة سلالات من الفئران، مما أتاح لهم التدخل في المسار البصري بأكثر من طريقة. وتضمن نهجهم ما يلي:
- تعديل النشاط العصبي في نقاط متعددة على طول المسار البصري.
- توقيت تلك التدخلات لتطابق نوافذ مختلفة خلال التطور.
- فحص العواقب على مجموعات الخلايا البينية في المهاد البصري.
- تتبع كيفية استجابة تنظيم الخلايا البينية في القشرة البصرية.
وبتنويع الموقع والتوقيت معًا، تمكن الباحثون من اختبار ما إذا كان تأثير المهاد محددًا أم عرضيًا — وتشير التغيرات التي سجلوها في عدد الخلايا البينية وتوزيعها إلى أن النشاط يحمل ثقلًا تنظيميًا حقيقيًا.
إلى ماذا تُضاف النتائج
يعيد العمل تأطير بنية تُوصف عادةً بمصطلحات وظيفية — ما يفعله المهاد البالغ بالبيانات الحسية — باعتبارها فاعلًا تطوريًا بحد ذاته. وإذا كان نشاط المهاد يساعد في تحديد كيفية إدماج الخلايا البينية المثبطة وترتيبها، فإن المهاد يشارك في بناء الدوائر ذاتها التي سيستخدمها لاحقًا لنقل المعلومات البصرية.
ولهذه الفكرة آثار على كيفية تفكير العلماء في تجميع الأنظمة الحسية على نطاق أوسع. فغالبًا ما تُدرس عملية تشكل الدوائر من القشرة إلى الخارج، مع تركيز الاهتمام على كيفية تنظيم الخلايا القشرية لنفسها. وتضع هذه الدراسة بنية تحت قشرية في موقع أكثر بروزًا، مما يشير إلى أن ظهور قشرة بصرية جيدة التنظيم يعتمد جزئيًا على إشارات تنشأ من مناطق أعلى في المسار.
وهو أيضًا تذكير بأن الحدود بين "التوصيل" و"الوظيفة" غير واضحة في الدماغ النامي. فالنشاط الذي يبدو تلقائيًا قد يقوم بعمل بنيوي، إذ يوجه مكان استقرار الخلايا وعدد تلك التي تبقى أو تندمج في منطقة معينة.
وكما هو الحال مع أي عمل يُجرى على الفئران، تصف النتائج نظامًا نموذجيًا، وستحتاج الآليات الدقيقة الفاعلة في الثدييات الأخرى إلى بحث منفصل. ومع ذلك، فإن المسار البصري في الفأر نظام موصوف جيدًا، ويضفي تصميم الدراسة — التلاعب بالنشاط في أماكن وأوقات محددة — أساسًا تجريبيًا متينًا على الاستنتاجات.
عن البحث
أُجريت الدراسة في معهد علوم الأعصاب، وهو مركز مشترك بين المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني (CSIC) وجامعة ميغيل هيرنانديز في إلتشي (UMH)، ونُشرت في The Journal of Neuroscience. وكتب المقال إيلينا غاريدو، وحررته سواتي ميستري، وراجعه روبرت إيغان ضمن العملية التحريرية للمنشور، التي تشمل التحقق من الحقائق ومراجعة الأقران. ونُسب التصوير المستخدم في تغطية العمل إلى Instituto de Neurociencias UMH CSIC وإيرين هويرغا-غوميز.
وبإظهار أن نشاط المهاد يشكل عدد الخلايا البينية وتوزيعها عبر المسار البصري النامي، أضاف الفريق قطعة كبيرة إلى أحجية كيفية بناء الدماغ لنظام حسي — نظام يبدأ العمل على الرؤية قبل وقت طويل من وجود أي شيء يُرى.
This article is based on reporting by Medical Xpress. Read the original article.
Originally published on medicalxpress.com






