الباحثون يتوغلون أعمق في نشاط الدماغ الحي باستخدام التصوير البصري عالي السرعة

قد توسع منصة تصوير جديدة وصفت في Nature Methods الطريقة التي يدرس بها العلماء معالجة المعلومات في الدماغ، إذ تلتقط النشاط الكهربائي لما يقرب من 200 عصبون في الوقت نفسه داخل نسيج حي. ويُصمم النظام، المسمى FlatMux، لتسجيل إشارات سريعة وخافتة ويصعب عادة رصدها على نطاق واسع، ولا سيما في أعماق الدماغ.

يعالج هذا العمل تحديًا تقنيًا طويل الأمد في علم الأعصاب. تعمل الدوائر الدماغية عبر شبكات كثيفة من العصبونات التي تحسب بالتوازي، لكن كثيرًا من الأدوات الحالية إما لا تستطيع أخذ عينات من عدد كافٍ من الخلايا في الوقت نفسه، أو لا تصل إلى عمق كافٍ، أو لا تتحرك بالسرعة اللازمة لالتقاط الأحداث الكهربائية السريعة بدقة مفيدة. وتهدف المنصة الجديدة إلى تحسين هذه القيود الثلاثة معًا.

وفقًا للنص المصدر المقدم، يستطيع FlatMux التسجيل من ما يقرب من 200 عصبون عبر مستوى واحد أو عدة مستويات في آن واحد، وعلى أعماق تصل إلى 500 ميكرومتر وبمعدلات إطارات تبلغ 2000 في الثانية. ويُقال إن النظام يحقق معدل مسح يبلغ 150 مليون عينة في الثانية مع تقليل مقدار الطاقة اللازمة للكشف الموثوق عن نشاط العصبونات الفردية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية لأن الإشارات الكهربائية تتكشف على مقاييس زمنية قصيرة جدًا. فالطريقة البطيئة جدًا قد تفوّت ديناميكيات مهمة. والطريقة التي لا تستطيع التصوير بعمق كافٍ قد تستبعد طبقات مهمة من القشرة. والطريقة التي تلتقط عددًا صغيرًا فقط من الخلايا في كل مرة قد تجد صعوبة في إظهار كيف تعمل المعالجة الموزعة فعليًا في الشبكات الحية.

لماذا يعد التصوير الكهربائي أصعب من مشاهدة العصبونات وهي تضيء

لدى علماء الأعصاب طرق كثيرة لدراسة الدماغ، لكن لكل منها مقايضاتها. يمكن للمجسات الكهربائية أن تكتشف النشاط الكهربائي مباشرة، لكنها تدخلية ولا توفر بطبيعتها الرؤية البصرية نفسها لموضع الخلية أو هويتها. أما الأساليب البصرية المعتمدة على التألق فتستطيع الحفاظ على المعلومات المكانية، لكنها تاريخيًا كانت محدودة بقوة الإشارة أو السرعة أو مجال الرؤية أو عمق التصوير.

هذه هي الفجوة التي يحاول فريق Rockefeller تضييقها. فمن خلال تصوير النشاط الكهربائي مباشرة عبر التألق، لا يستطيع الباحثون رؤية متى تكون العصبونات نشطة فحسب، بل يمكنهم أيضًا استنتاج مكان وجودها وما أنواع الخلايا التي قد تكون عليها. ومن حيث المبدأ، يجعل ذلك ربط سلوك الدوائر بالبنية التشريحية وهوية الخلية داخل التجربة نفسها أسهل.

الدافع العلمي الأوسع للدراسة واضح: فهم وظيفة الدماغ يتطلب الانتقال من أوصاف الخلية الواحدة إلى تفسيرات على مستوى الشبكة. ويعرض النص المصدر المشكلة بهذه المصطلحات بالضبط. ولسنوات، ركز جزء كبير من المجال على خصائص استجابة العصبونات الفردية. لكن الإحساس والسلوك والإدراك تنشأ من تجمعات كبيرة من الخلايا تتفاعل عبر الطبقات وعبر الفضاء.

كان التقاط هذه العلاقات في الوقت الحقيقي صعبًا. فالإشارات ضعيفة، والنسيج معقد، وزيادة قدرة التصوير قد تخلق قيودًا عملية وبيولوجية. ويبدو أن FlatMux محاولة لتحسين هذه الحدود عبر خفض كلفة الطاقة اللازمة لاكتشاف نشاط عصبون واحد، مع توسيع استراتيجية المسح بما يكفي لتغطية عدد كبير من العصبونات بسرعة.

ما الذي يبدو أن FlatMux يتيحه

أهم ادعاء في المادة المصدر ليس مجرد أن المنصة أسرع، بل إن الحساسية والسرعة والعمق مجتمعين قد يسمحون للباحثين برسم خريطة للعصبونات المرتبطة وظيفيًا ببعضها البعض والتي تتفاعل سببيًا. وهذا تمييز مهم. فكثير من التجارب يمكنها إظهار الارتباط، لكن فهم كيفية انتشار النشاط عبر الدوائر في نسيج دماغ حي يتطلب أدوات تستطيع ملاحظة عدد كبير من الخلايا ذات الصلة في الوقت نفسه وتحت ظروف واقعية.

neuron
الائتمان: ملكية عامة

إذا كان النظام يعمل كما هو موصوف، فقد يتمكن الباحثون من دراسة كيفية انتقال أنماط المعلومات عبر طبقات القشرة بدلًا من فحص لقطات معزولة من مجموعات صغيرة من الخلايا. وسيدعم ذلك أبحاث المعالجة الحسية وديناميات الشبكات والآليات التي تولد بها مجموعات العصبونات السلوك بشكل جماعي.

والعمق مهم هنا بشكل خاص. فالتصوير حتى 500 ميكرومتر يعني أن الباحثين يمكنهم ملاحظة النشاط في عمق أكبر تحت السطح مما تستطيع العديد من الأساليب البصرية التعامل معه براحة. وهذا يزيد احتمال التقاط التفاعلات عبر طبقات متعددة من التنظيم القشري، وليس فقط المكونات السطحية الأكثر وضوحًا.

كما أن القدرة المبلغ عنها على العمل عبر مستوى واحد أو عدة مستويات في الوقت نفسه مهمة أيضًا. فالحوسبة العصبية ثلاثية الأبعاد بطبيعتها. ولا تصطف التفاعلات المهمة بشكل مرتب في شريحة مسطحة واحدة. والمنصة القادرة على أخذ عينات من عدة مستويات مع الحفاظ على السرعة العالية لديها فرصة أفضل لتمثيل بنية الدوائر الحقيقية.

من علم الأعصاب أحادي العصبون إلى الحوسبة الموزعة

يقول أليباشا فازييري، الذي يرأس مختبر التكنولوجيا العصبية والفيزياء الحيوية في Rockefeller، في النص المصدر إن المجال ينتقل من فهم الدماغ بوصفه مجموعة من خصائص الاستجابة الفردية إلى فهمه كنظام شديد الترابط يؤدي حوسبة موزعة. وهذا تحول مفاهيمي وتقني في آن واحد.

الأدوات تشكل النظريات. فعندما تسمح الطرق للعلماء فقط بمراقبة عدد قليل من العصبونات على نحو جيد، تصبح الخلية الواحدة هي وحدة التحليل الطبيعية. ومع تحسن الأدوات، يمكن أن تصبح وحدة التحليل هي الدائرة أو الطبقة أو الشبكة الموزعة. ويُعرض FlatMux كأداة قد تساعد على تمكين هذا الانتقال من خلال جعل التصوير الكهربائي واسع النطاق أكثر عملية في النسيج الحي.

هذا لا يعني أن الأسئلة الصعبة قد حُلَّت. فالملاحظة الأفضل لا تتحول تلقائيًا إلى نظرية كاملة عن حوسبة الدماغ. لكنها قد تغير نوع الأسئلة المتاحة تجريبيًا. وقد يصبح الباحثون أفضل قدرة على السؤال عن كيفية تحول المعلومات أثناء مرورها عبر مجموعات العصبونات المترابطة، وكيف تتزامن أنماط النشاط أو تتباعد، وكيف تسهم أنواع خلوية معينة في الحوسبات المشتركة.

تقدم تقني بآثار بحثية واسعة

يُطرح هذا البحث بوصفه منصة مرجعية في التكنولوجيا العصبية البصرية. وإذا ثبت ذلك في الأعمال اللاحقة، فستتجاوز قيمته مختبرًا واحدًا. فالأساليب التي تحسن المفاضلة بين السرعة والحجم والعمق غالبًا ما تصبح بنية تمكينية لكثير من التجارب، خاصة في علم الأعصاب النُظمي.

وفي الوقت الراهن، الخلاصة الأساسية هي أن الباحثين وصفوا طريقة لتصوير النشاط الكهربائي من عدد أكبر بكثير من العصبونات، وبعمق وسرعة أعلى مما كان ممكنًا عادةً بالأساليب البصرية المماثلة. وفي مجال يتمثل تحديه المركزي في فهم كيفية حوسبة أعداد هائلة من العصبونات المترابطة معًا، يمثل ذلك خطوة ذات معنى.

يبقى الدماغ صعب الملاحظة بشروطه الخاصة. لكن منصة قادرة على متابعة ما يقرب من 200 عصبون في وقت واحد داخل نسيج حي، مع الحفاظ على السياق المكاني وسياق نوع الخلية، قد تمنح العلماء رؤية أوضح لكيفية نشوء الإدراك من الدارات لا من الأجزاء المعزولة. هذه هي الفكرة الكامنة وراء FlatMux، وهي السبب في أن هذا التطور التقني يبرز بوصفه أكثر من مجرد ترقية تدريجية في التصوير.

هذه المقالة مبنية على تغطية من Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on medicalxpress.com