دماغ صغير بمخطط مألوف

يحتوي دماغ ذبابة الفاكهة على أقل من 200,000 خلية عصبية. أما الدماغ البشري فيحتوي على عشرات المليارات. ولم يمنع هذا الفارق الهائل في الحجم علماء الأعصاب من اعتبار الحشرة نموذجاً مثمراً، لأن دماغ الذبابة يشترك في أوجه تشابه لافتة مع نظيره البشري — ليس في الحجم، بل في طريقة تنظيمه وفي كيفية تواصل خلاياه.

وهناك ميزة أخرى هي الاكتمال. فقد تم رسم كل اتصال بين الخلايا العصبية في دماغ الذبابة، والمعروف مجتمعاً باسم الكونكتوم. ويتيح مخطط التوصيلات الكامل هذا للباحثين دراسة كيفية تفاعل أنواع مختلفة من الخلايا العصبية لإنتاج سلوك معين بشكل مباشر، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في أدمغة أكثر تعقيداً.

وقالت كاثرين ناغل، الحاصلة على الدكتوراه، وهي أستاذة مشاركة في قسم علم الأعصاب بكلية غروسمان للطب في جامعة نيويورك والباحثة الرئيسية في الدراسة، إن العمل يُظهر كيف تُشكّل دائرة عصبية ذاكرة قصيرة المدى عندما تكتشف الذبابة رائحة ما. وتتيح الذاكرة للحشرة الاحتفاظ باتجاه ما والتوجه نحو رائحة قررت أنها تستحق التذكر. وأضافت أنه على الرغم من أن الباحثين افترضوا منذ زمن طويل أن هذا النوع من الترتيب يكمن وراء الذاكرة العاملة، فإن التجارب الجديدة تؤكد وجود هذا الترتيب وتُظهر كيف يعمل في سياق محدد.

الذاكرة العاملة تحتاج إلى الاستقرار والمرونة معاً

الذاكرة العاملة هي المسودة الذهنية التي تحتفظ بالمعلومات لثوانٍ في كل مرة. وهي ما يتيح لشخص ما تذكر بضعة أرقام من رمز أمان لمدة تكفي لكتابتها، أو الاحتفاظ باتجاه في ذهنه أثناء عبور غرفة. وهذه السمة أساسية، لكنها تأتي مع زوج من المتطلبات المتنافسة.

على جانب واحد يوجد الاستقرار. فالذاكرة التي تتلاشى فوراً عديمة الفائدة، لذا يجب أن يستمر النشاط العصبي الكامن وراءها على مدى فترة زمنية ذات معنى. وعلى الجانب الآخر توجد المرونة. فالتمسك بتفاصيل غير ذات صلة سيكون إهداراً هائلاً للطاقة — فلا أحد يستفيد من تخزين كل رقم يصادفه في يومه في ذاكرته. ولذلك يحتاج النظام المفيد إلى أن يُشغّل بسرعة، ويبقى ثابتاً، ويُطفأ بشكل نظيف.

دائرة مصممة للتشغيل والإطفاء

فحصت الدراسة الجديدة كيفية تفاعل الخلايا العصبية لترميز المعلومات في الذاكرة العاملة، وتحديداً كيف يمكن الحفاظ على هذه التفاعلات مع بقائها سهلة التنشيط والإيقاف. والإجابة، وفقاً للباحثين، تكمن في ترتيب بوابي داخل الدائرة.

رائحة تفتح دائرة الذاكرة

لملاحظة العملية أثناء حدوثها، عرض الفريق ذباب الفاكهة لجرعة قوية من خل التفاح. وتوجهت الحشرات نحو الرائحة واستمرت في ذلك الاتجاه لعدة ثوانٍ بعد اختفاء الرائحة من الهواء، مما يشير إلى أن ذاكرة الرائحة كانت لا تزال توجّه سلوكها بعد زوال المحفز نفسه.

وبينما كانت الذباب تستجيب، راقب الباحثون النشاط في أدمغتها. ووجدوا أن نوعين مختلفين من الخلايا العصبية تفاعلا مع الرائحة بأنماط نشاط متشابهة. وهذه الاستجابة المتداخلة هي بصمة البوابة: إذ تتفاعل مجموعتا الخلايا بطريقة تتيح تحويل حدث حسي عابر إلى إشارة ذاتية الاستدامة، ثم إطلاقها.

وفي الواقع، لا تخزّن الدائرة الرائحة كما يخزّن الحاسوب ملفاً. بل تُنشئ حالة مؤقتة تُرجّح سلوك الذبابة، ويمكن إطفاء هذه الحالة بمجرد أن تؤدي غرضها.

لماذا تُفيد ذبابة الفاكهة في دراسة الذاكرة البشرية

تستند قيمة ذبابة الفاكهة كنموذج إلى السمات نفسها التي تجعل من السهل تجاهلها. فدماغها صغير بما يكفي لتتبعه بالكامل، ومع ذلك فإنه يحل مشكلات تواجهها أدمغة الثدييات أيضاً: اكتشاف محفز، وتقرير ما إذا كان مهماً، والاحتفاظ به لفترة وجيزة، والتصرف بناءً عليه.

ولأن الكونكتوم الخاص بالذبابة مكتمل، يستطيع العلماء تحديد نوع خلية عصبية معين، وتتبع اتصالاته، والسؤال عن مساهمة نشاطه في السلوك. ولذلك تقدم نتائج كهذه سرداً دقيقاً قابلاً للاختبار لآلية طُرحت منذ عقود لكن نادراً ما لوحظت مباشرة.

  • آلية مؤكدة: تدعم الدراسة تفسيراً افترض منذ زمن طويل لكيفية تكوّن الذكريات قصيرة المدى والحفاظ عليها.
  • تفصيل على مستوى الدائرة: نوعان متميزان من الخلايا العصبية يعملان معاً لإنشاء البوابة التي تحافظ على الذاكرة.
  • دليل سلوكي: تستمر الذباب في التوجه نحو رائحة لثوانٍ بعد اختفائها، مما يُظهر الذاكرة وهي تعمل.
  • قيمة النموذج: يجعل الكونكتوم المُرسم بالكامل دماغ الذبابة أرضية اختبار عملية للأفكار المتعلقة بالذاكرة.

ما تُظهره النتائج وما لا تُظهره

تصف التجارب كيف تُشكّل دائرة معينة في حشرة واحدة ذاكرة قصيرة العمر استجابةً لنوع واحد من المدخلات الحسية. أما ما إذا كانت ترتيبات بوابية مكافئة تعمل عبر الأشكال العديدة للذاكرة العاملة لدى البشر فتبقى مسألة مفتوحة، ويصوغ الباحثون النتيجة على أنها تأكيد لمبدأ في سياق محدد وليس قاعدة عالمية.

ومع ذلك، فإن التصميم الأساسي جذاب لاقتصاديته. فالدماغ القادر على تشغيل ذاكرة عند الحاجة — وإطفائها عند عدم الحاجة — يتجنب كلاً من تكلفة النسيان السريع جداً وتكلفة التذكر المفرط. وهذا التوازن بين الاستقرار والمرونة مشكلة يجب أن يحلها كل جهاز عصبي، وتقدم ذبابة الفاكهة رؤية واضحة لأحد الحلول.

وتُضيف الدراسة، التي نُشرت على الإنترنت في 7 أكتوبر في مجلة Nature، إلى مجموعة متنامية من الأعمال التي تستخدم مخطط التوصيلات الكامل للحشرة لربط أنواع الخلايا الفردية بسلوكيات محددة. وبالنسبة لعلماء الأعصاب، فإن المكسب هو صورة أوضح لكيفية تحويل البوابات العصبية مدخلات حسية وجيزة إلى ذاكرة يمكن أن توجّه الحيوان خلال ثوانيه القليلة التالية.

يعتمد هذا المقال على تقرير من Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on medicalxpress.com