كيف قد يتعلم الدماغ متى يتوقع المستقبل
الدماغ لا يكتفي برد الفعل على العالم عندما يصل، بل يتوقع باستمرار ما يرجح أن يحدث بعد ذلك، ويعدل تلك التوقعات مع ورود معلومات جديدة. وتضيف دراسة جديدة على الفئران أجراها باحثون في جامعة رادبود والمركز الطبي الجامعي إيراسموس تفاصيل حول كيفية عمل هذه العملية، مشيرة إلى المخيخ باعتباره موقعا رئيسيا لتعلم توقيت الأحداث المتوقعة.
تشير النتائج المنشورة في Nature Neuroscience إلى أن توزيعات الاحتمال للأحداث الزمنية ممثلة في دوائر المخيخ. كما توضح أن خلايا بوركنجي، وهي الخلايا العصبية الكبيرة والمميزة التي تشكل المخرج الرئيسي للمخيخ، ترمز معلومات إحصائية حول متى يُتوقع أن يقع حدث مستقبلي.
وهذا يجعل الدراسة مهمة لسبب واسع. وغالبا ما يوصف السلوك التنبؤي باستخدام الاستدلال البايزي، وهو إطار رياضي تُحدَّث فيه التوقعات مع ظهور أدلة جديدة. واقترح علماء الأعصاب منذ وقت طويل أن الدماغ قد يعمل بطريقة مشابهة. وتقدم هذه الدراسة رواية أكثر ملموسية لمكان وجود جزء من آلية التنبؤ تلك وكيف قد يظهر في النشاط العصبي.
تدريب الفئران على توقع حدث محدد التوقيت
استخدم الباحثون إعدادا سلوكيا محكما للغاية. جرى تدريب فئران بالغة على توقع دفقة هواء على إحدى العينين بعد رؤية ومضة ضوء. وكان المتغير الحاسم هو التوقيت. ومن خلال ربط الإشارة ودفقة الهواء بفواصل زمنية محددة، استطاع الفريق أن يسأل كيف كوّنت الحيوانات توقعات ليس فقط حول ما إذا كان شيء ما سيحدث، بل حول متى سيحدث.
هذا التمييز مهم. فالتنبؤ بالتوقيت من أصعب جوانب السلوك. تحتاج الكائنات الحية إلى دمج الخبرة السابقة والدليل الحسي الحالي وعدم اليقين. صُممت الدراسة لاختبار ما إذا كان المخيخ يحمل هذا النوع من المعرفة المسبقة المنظمة زمنيا.
وبحسب المؤلفة الرئيسية ديفيكا نارين، فإن الدافع وراء العمل كان سؤالا بسيطا لكنه أساسي: إذا كانت الخبرة السابقة تساعد البشر والحيوانات على إدارة عدم اليقين، فأين تُخزن هذه الخبرة السابقة في الدماغ، وكيف تُستخدم؟
خلايا بوركنجي تبرز كرمز محتمل
الجواب الذي يقترحه الفريق يركز على خلايا بوركنجي. فهذه الخلايا العصبية معروفة بالفعل بدورها في التنسيق والتعلم الحركي، لكن النتائج الجديدة تربطها بشكل مباشر أكثر بالتوقيت التنبؤي. وتشير الدراسة إلى أنها لا تكتفي بنقل المعلومات المتعلقة بالحركة. بل تبدو وكأنها ترمز لتوقعات إحصائية حول الموعد المرجح لوقوع الأحداث المستقبلية.
إذا صح هذا التفسير، فسوف يعزز رؤية متنامية للمخيخ بوصفه بنية تشارك في أكثر من التوازن والحركة. فقد ازداد الربط بين المخيخ وأشكال التعلم والتنبؤ، ويضيف هذا العمل دورا حسابيا محددا: تمثيل توزيعات الاحتمال الزمنية المستمدة من الخبرة السابقة.
ويمثل ذلك تحولا مفاهيميا ملحوظا. فبدلا من التعامل مع التوقيت كوظيفة ساعة بسيطة، تدعم النتائج فكرة أن الدماغ يحتفظ بخريطة احتمالية لتوقيت الأحداث المتوقع ويحدّثها عبر الخبرة.
لماذا تهم الأفكار البايزية هنا
يُستدعى الاستدلال البايزي كثيرا لأنه يلتقط شيئا أساسيا في الحياة داخل بيئات غير مؤكدة. فالتوقعات نادرا ما تكون دقيقة تماما. بل تأتي مع مستويات ثقة واحتمالات متغيرة. قد تشير ومضة ضوء إلى أن حدثا سيقع قريبا، لكن ليس دائما في اللحظة نفسها تماما. لذلك يحتاج الدماغ المفيد إلى تخزين الارتباطات والتوزيعات معا.
وتنسجم نتائج الفريق الهولندي مع هذا المنطق. وتشير دراستهم إلى أن المخيخ يتعلم تلك التوزيعات وأن خلايا بوركنجي تحمل معلومات عنها. وعمليا، قد يتعامل الدماغ مع التوقيت بوصفه مشكلة إحصائية، لا مجرد مشكلة انعكاسية.
وتساعد هذه الفكرة أيضا على تفسير لماذا يعد التوقيت التنبؤي محوريا جدا للفعل. سواء كان الأمر التقاط جسم، أو رمش العين قبل دفقة هواء متوقعة، أو تنسيق الحركة في بيئة متغيرة، تعتمد الكائنات الحية على تقديرات متعلمة لموعد حدوث الأشياء على الأرجح.
ما الذي قد تعنيه النتائج خارج هذا الاختبار
ما تزال الدراسة تجربة على الحيوانات، وينبغي قراءة ادعاءاتها على هذا الأساس. لكن أهميتها الأوسع واضحة. فإذا كانت دوائر المخيخ ترمز معرفة مسبقة بتوقيت الأحداث، فذلك يمنح علماء الأعصاب موقعا أدق للتحقيق عندما يختل السلوك التنبؤي أو يتغير.
كما أنها تعمق النقاش حول كيفية ترجمة النظريات الحسابية المجردة إلى بيولوجيا. فالنماذج البايزية قوية لأنها تشرح السلوك رياضيا. لكن حدها كان غالبا صعوبة تحديد كيفية تنفيذها عصبيا. وتساعد دراسات كهذه على سد تلك الفجوة من خلال اقتراح أساس خلوي ودوائري لنوع محدد من الافتراضات المسبقة.
وهذا لا يعني أن المخيخ هو القصة كلها. فالتنبؤ في الدماغ موزع، ومن المؤكد أن مناطق أخرى تساهم فيه. لكن العمل الجديد يجعل من الواضح أن المخيخ ليس هامشيا في هذه العملية. فقد يكون أحد الأماكن التي تتحول فيها الخبرة إلى توقع مفيد للمستقبل القريب.
- درست الدراسة تدريب الفئران على توقع دفقة هواء بعد إشارة بصرية.
- وجد الباحثون دليلا على أن دوائر المخيخ تتعلم توزيعات الاحتمال لتوقيت الأحداث.
- تبدو خلايا بوركنجي وكأنها ترمز توقعات إحصائية حول موعد وقوع الأحداث المستقبلية.
- تربط النتائج الدوائر البيولوجية بنماذج تنبؤ على الطريقة البايزية.
هذه المقالة تستند إلى تقرير من Medical Xpress. اقرأ المقال الأصلي.
Originally published on medicalxpress.com

