يدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى نمذجة الكوارث

بدأت شركات التأمين باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لنمذجة الفيضانات والعواصف وغيرها من الكوارث التي لا تظهر في السجل التاريخي بالقدر الكافي لدعم تقديرات المخاطر التقليدية. والجاذبية واضحة: إذ يمكن لتوليد الأحداث الاصطناعية أن يساعد المكتتبين وإعادة التأمين والبنوك ومشغلي البنية التحتية على فحص السيناريوهات القصوى بكثافة وتفصيل أكبر بكثير مما تسمح به الأساليب التقليدية.

لكن هذه التقنية تصل ومعها مشكلة مألوفة. فهذه الأنظمة نفسها القادرة على توليد أعداد هائلة من السيناريوهات المعقولة يمكنها أيضاً أن تهلوس، فتنتج مخرجات تبدو واقعية بينما تنتهك المنطق الفيزيائي الذي تعتمد عليه نمذجة الكوارث. هذا التوتر يجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة واعدة ومصدراً جديداً لمخاطر النماذج في أحد أهم مجالات التنبؤ في القطاع المالي.

لماذا يريد القطاع مزيداً من الكوارث الاصطناعية

طالما استُخدمت نماذج الكوارث لتقدير التعرض للزلازل والأعاصير والفيضانات والحوادث المشابهة. ووفقاً للمادة المصدرية المقدمة، تقسم هذه الأنظمة القائمة على الفيزياء العالم إلى خلايا شبكية وتحل معادلات تتضمن عوامل مثل الجاذبية والاحتكاك والتدفق. وكلما كان النموذج أكثر تفصيلاً، زاد العبء الحاسوبي. وهذا يفرض مقايضات بين الدقة المكانية والواقعية والتغطية الجغرافية.

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن لتوسيع تلك الحدود. يصف المقال كيف يطبق واضعو النماذج نماذج الانتشار لتوليد عدد أكبر بكثير من الأحداث الجوية مما تستطيع المحاكاة المناخية الحالية توفيره وحدها. وهذا مهم خصوصاً للكوارث النادرة وعالية الأثر، التي تسمى أحياناً مخاطر الذيل، حيث تكون الأمثلة الواقعية شحيحة جداً لدعم تسعير واثق أو تحليل محافظ استثمارية.

وفي هذا السياق، لا تعد الأحداث الاصطناعية مجرد وسيلة مريحة. بل هي محاولة لملء “المجهولات المجهولة” المرتبطة بالتعرض المستقبلي للمناخ والكوارث بتوزيع أوسع من النتائج المحتملة. وإذا كانت السيناريوهات الاصطناعية ذات مصداقية، يمكن لشركات التأمين اختبار كفاية رأس المال واستراتيجية الاكتتاب والتعرض الإقليمي بدرجة من الدقة لا تسمح بها البيانات التاريخية الشحيحة.

ما الذي تفعله الشركات بهذه النماذج

يشير النص المصدر إلى عدة أمثلة. فقد دربت شركة Fathom، وهي شركة تابعة لـ Swiss Re، نموذج انتشار على نحو 1,000 سنة من المحاكاة المناخية القائمة، ثم استخدمته لتوليد سيناريوهات جوية أكثر بكثير لمناخ متوقع في عام 2030. وقام نموذج ثانٍ بتحسين المخرجات الأولية من دقة خشنة تبلغ 100 في 100 كيلومتر إلى 10 في 10 كيلومترات، وهو مستوى تقول المادة إنه كاف لالتقاط أنماط الهطول.

تشير هذه السلسلة العملية إلى بنية هجينة: أحد النماذج يوسع عالم السيناريوهات، بينما يحسن آخر التفاصيل المحلية القابلة للاستخدام. ومن الناحية العملية في التأمين، قد يساعد ذلك على سد الفجوة بين التوقعات المناخية واسعة النطاق وتقدير المخاطر على مستوى العقار أو المستوى الإقليمي، حيث تُتخذ قرارات الاكتتاب.

ويقول المقال أيضاً إن Verisk تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لنمذجة الرياح العاتية والأمطار معاً بدلاً من التعامل معهما بالتتابع. وهذا مهم لأن الأخطار المتزامنة يمكن أن تضخم الخسائر بطرق قد تفوتها خطوط النمذجة الأبسط. أما Moody's RMS فتُوصَف بأنها تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية بعد حرائق الغابات والأعاصير لتقدير الخسائر المؤمن عليها. وبالنظر إلى هذه الأمثلة مجتمعة، يتضح أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مرحلة واحدة من تحليلات الكوارث. بل يظهر في توليد السيناريوهات ونمذجة تفاعل الأخطار وتقييم الخسائر بعد الحدث.

مشكلة الهلوسة مختلفة هنا

في منتجات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية، تُطرح الهلوسات غالباً بوصفها إزعاجاً أو خطأً واقعياً. أما في نمذجة الكوارث، فقد تكون أكثر خطورة لأن المخرجات المعيبة قد تبدو مع ذلك مقنعة إحصائياً أو بصرياً. يمكن لنمط فيضان اصطناعي أو مسار عاصفة أو حقل هطول أن يبدو معقولاً لغير المتخصص، بينما ينتهك قيوداً فيزيائية أساسية.

ويتضمن النص المقدم تحذيراً من المدير العلمي في Fathom، أوليفر وينغ، الذي يقول إن هذه الأنظمة يمكن أن تهلوس “absolute slop”. والعبارة قاسية، لكنها تلتقط جوهر التحدي: فالمظهر الواقعي لا يعني التطابق مع الهيدرولوجيا أو الأرصاد الجوية أو ديناميات المناخ.

وهذا يعني أن معايير التحقق يجب أن تكون صارمة على نحو غير معتاد. فإذا ولّد نموذج مجموعة كبيرة من الأحداث الاصطناعية غير المتسقة داخلياً، فقد يخلق الوفرة الظاهرة في البيانات ثقة زائفة. وقد يعتقد المستخدمون أنهم يرون صورة أغنى للمخاطر بينما هم في الواقع يشاهدون آثاراً جانبية للنموذج.

مكاسب محتملة ومشكلة هيكلية في الحوافز

على الرغم من التحذيرات، قد تظل هذه التقنية مهمة. فقد تسمح نماذج الكوارث الأفضل لشركات التأمين بتسعير المخاطر في أماكن كانت تاريخياً محرومة من الخدمة لأن البيانات القابلة للاستخدام كانت محدودة جداً أو مكلفة جداً في جمعها وحوسبتها. ومن الناحية النظرية، قد يحسن ذلك الوصول إلى التغطية في المناطق الضعيفة ويتيح تقديرات أكثر تفصيلاً لتغير التعرض المناخي.

لكن النص المصدر يلفت أيضاً إلى قلق آخر يتجاوز الدقة التقنية: الحوافز. فإذا كانت مخرجات النماذج تؤثر في ربحية الاكتتاب، فقد تفضل الشركات الأنظمة التي تقدم خسائر متوقعة أقل أو تجعل المخاطر تبدو أكثر قابلية للإدارة مما هي عليه. وهذا لا يعني أن الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل متعمد على نحو مضلل، لكنه يبرز ضغطاً هيكلياً موجوداً بالفعل في نمذجة المخاطر وقد يتفاقم بسبب الأنظمة التوليدية غير الشفافة.

وبعبارة أخرى، لا يقتصر التحدي على ما إذا كانت النماذج قادرة على محاكاة الكوارث جيداً. بل يتعلق أيضاً بما إذا كانت المؤسسات ستعتمد حوكمة قوية بما يكفي لمنع النماذج الجذابة تجارياً ولكن غير الموثوقة بما يكفي من التأثير في قرارات التسعير والتغطية.

ما التالي

يبدو أن القطاع يدخل مرحلة تجريبية حيث يكمل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا يحل محل، أساليب نمذجة الكوارث الراسخة. ومن المرجح أن هذا هو المسار العملي الوحيد في المدى القريب. فما زالت النماذج القائمة على الفيزياء توفر الأساس المفاهيمي لكيفية تطور الكوارث، بينما تمنح الأنظمة التوليدية النطاق والسرعة والقدرة على استكشاف مستقبلات افتراضية أكثر.

والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان يمكن جعل هذا الجمع موثوقاً. فإذا تمكن الباحثون والشركات من تقييد الهلوسات، وفرض تحقق مستند إلى الفيزياء، وإدارة التشوهات في الحوافز، فقد يوسع الذكاء الاصطناعي التوليدي تحليل الكوارث على نحو ذي معنى. وإن لم يحدث ذلك، فإن القطاع يخاطر بتغليف عدم اليقين القديم بمخرجات تبدو أكثر إقناعاً.

وبالنسبة لشركات التأمين التي تواجه عالماً يتزايد فيه تقلب المناخ، فإن هذا التمييز مهم. فقد كانت نمذجة الكوارث دائماً تدور حول تقدير ما هو غير مرجح قبل أن يصبح واقعاً مكلفاً. وقد يوسّع الذكاء الاصطناعي التوليدي عدسة التنبؤ تلك، لكن فقط إذا تعامل القطاع مع المعقولية كنقطة بداية لا كدليل.

هذه المقالة تستند إلى تقرير من The Decoder. اقرأ المقال الأصلي.

Originally published on the-decoder.com